أسطورة النفق المهجور: حينما تتحول كوابيس "وقت المغربية" إلى حقيقة مرعبة
مقدمة: سر الساعة التي يخشاها الجميع
تبدأ حكايتنا في تلك اللحظات الفاصلة بين النهار والليل، في ساعة "المغربية" التي يلفها الغموض. في هذا الوقت تحديداً، يبدأ النهار في لملمة أوراقه والرحيل على استعجال، بينما يتسلل الليل ببطء وثبات كأنه وحش يتربص بالمدينة. الشوارع التي كانت قبل ساعة واحدة فقط تضج بالصخب والزحام، تخلو فجأة من المارة؛ وكأن هناك غريزة خفية تدفع الناس للهرب من شيء ما يختبئ في ثنايا الظلام. في هذه الساعة، تطول الظلال، وترسم أشكالاً غريبة ومشوهة على جدران البيوت العتيقة، وكأن المباني نفسها تتحول إلى كيانات صامتة تراقب كل من يجرؤ على السير في طرقاتها.
 |
| أسطورة النفق المهجور: حينما تتحول كوابيس "وقت المغربية" إلى حقيقة مرعبة |
الأبطال الثلاثة: الفضول، الخوف، والمنطق
في قلب هذا الجو المشحون بالتوتر، كان أبطالنا الثلاثة: عمر، وسيد، ومازن، يسيرون بمحاذاة سور خرساني قديم يحيط بمدرستهم، وهو طريقهم المعتاد للعودة.
سيد: كان الفتى الذي يعيش في عالم من الأساطير؛ عقله لا يتوقف عن حياكة قصص العفاريت والجن، ودائماً ما يروي حكاياته بانفعال شديد وحركات يدوية تشعرك بأنك في قلب معركة حربية. لكن هذه المرة، كانت نبرة صوته مختلفة؛ لم تكن نبرة "الحكواتي" الذي يبحث عن الإثارة، بل كانت نبرة مسكونة بخوف حقيقي.
مازن: الشخصية القلقة التي تحسب كل خطوة بالورقة والقلم. كان يحاول دائماً إسكات سيد، مدعياً أن كل ما يقوله هو مجرد "خرافات أطفال"، لكن عينيه اللتين تتحركان بتوتر خلف نظارته الطبية كانت تفضحان رعبه الدفين.
عمر: كان هو "المغناطيس" الذي ينجذب نحو المجهول. هادئ، صامت، وكأن هناك صوتاً داخلياً يناديه من وراء ذلك السور القديم.
لغز النفق: "أصوات تكسير العظام"
استمر سيد في حديثه المرعب عن "النفق المهجور" الذي يقع خلف سور المدرسة. كان يقسم بأغلظ الأيمان أن هذا النفق ليس مجرد مكان مهجور، بل هو بوابة لشيء لا ينتمي لعالمنا. روى قصصاً عن أشخاص دخلوا بدافع الفضول ولم يخرجوا أبداً. وأكد أن سكان المنطقة القريبين من السور يسمعون في سكون الليل أصواتاً تقشعر لها الأبدان؛ ليست أصوات رياح أو حيوانات ضالة، بل هي أصوات "تكسير عظام" واضحة، كأن هناك كائناً مفترساً يلتهم فريسته في جوف الأرض.
- حاول مازن الاعتراض بصوت مهزوز، لكن عمر قطع الجدال بجملة واحدة هادئة وصادمة: "ما رأيكم أن نذهب ونرى بأنفسنا؟". كانت هذه الجملة هي نقطة التحول؛ حيث استطاع عمر بابتسامته الباهتة إقناعهم بأنهم سيكتفون بنظرة واحدة من بعيد ليثبتوا لأنفسهم أن كل هذه القصص ما هي إلا أوهام.
الرحلة إلى بوابات الجحيم
استسلم مازن في النهاية، وتحرك الثلاثة نحو نهاية الشارع ليلتفوا خلف السور الخرساني العالي. في تلك اللحظة، تغيرت موازين الطبيعة 180 درجة. اختفت فجأة "سمفونية" المدينة؛ لا أبواق سيارات، لا صياح بائعين، ولا ضجيج بشر. ساد صمت مطبق وموحش. المكان هناك بدا كأنه قطعة من عالم آخر، لا أعمدة إنارة تعمل، ولا روح تتحرك.
- تحولت الأرض تحت أقدامهم من إسفلت صلب إلى ممر ترابي مغطى بالنفايات والأكياس البلاستيكية التي تئن تحت أقدامهم. وهناك، في قلب الظلام الحالك، ظهر "النفق". كان فتحة مربعة سوداء محفورة في الجدار الخرساني، تبدو وكأنها عين عملاقة لكيان أسطوري يراقبهم من الأعماق.
اللقاء الأول: رائحة الموت والجذب المغناطيسي
بمجرد اقترابهم من الفتحة، استقبلتهم الطبيعة بأسوأ ترحيب ممكن. هبت في وجوههم رائحة لا يمكن وصفها؛ لم تكن مجرد رائحة نفايات، بل كانت رائحة ثقيلة، لزجة، تشبه رائحة التعفن الممزوجة بالدم القديم. رائحة تتسلل إلى الصدور لتخنق الأنفاس.
مازن، الذي لا تحتمل معدته هذه الروائح، بدأ يسعل بعنف وجسده ينتفض من القرف، مشيراً بيديه بضرورة العودة فوراً. حتى سيد، صاحب الحكايات، سكت تماماً واختفت الضحكة من وجهه. لكن عمر كان في حالة "تنويم مغناطيسي"؛ كانت عيناه متسمرتين على سواد النفق، وكأن هذا السواد يناديه باسمه. تحركت قدماه تلقائياً نحو الفتحة، لولا يد مازن التي جذبته للخلف بعنف وتوسل إليه أن يرحلوا.
بصوت ثابت ومستفز، قال عمر: "لن ندخل.. سنلقي نظرة واحدة فقط من البداية". وبخطوات مرتجفة، دلف الثلاثة إلى "فم الوحش".
في جوف النفق: حيث يسكن الكابوس
بمجرد تجاوز عتبة النفق، ابتلعهم الظلام تماماً. انخفضت درجة الحرارة بشكل مفاجئ، وأصبح الجو رطباً يلسع الجلد. كان الصمت ثقيلاً لدرجة أنهم كانوا يسمعون صوت أنفاسهم المتسارعة وكأنها عاصفة في آذانهم.
- فجأة، تسمر عمر في مكانه وأشار إليهم بالصمت المطبق. على بعد أمتار قليلة، رأوا ما لا يمكن لعقل بشري استيعابه. كانت هناك كتلة ضخمة جاثمة على الأرض؛ كيان بشع، يشبه البشر في تكوينه العام لكنه ضخم بشكل غير طبيعي، تلاحم مقزز بين إنسان ووحش.
كان الكائن يعطيهم ظهره، وجلده.. يا للرعب! كان جلده رمادياً شاحباً بلون الجثث، سميكاً ومترهلاً ومجعداً، وكأنه يرتدي بدلة واسعة من الجلد الميت. كان الكائن منحنياً على الأرض، يلتهم شيئاً ما بشراهة وعنف. صوت "قرمشة" العظام الناشفة وهي تتحطم تحت أسنان قوية كان يملأ جنبات النفق ويصنع صدىً يجعل شعر الرأس يقف رعباً.
ولم يكن الكائن وحده؛ فالأرض من حوله كانت مغطاة بـ "سجادة سوداء" من آلاف الخنافس والحشرات التي تتحرك في كل اتجاه، وكأنها حاشيته الخاصة التي تنتظر فضالة طعامه.
المواجهة: حينما يلتفت الموت
دون سابق إنذار، توقفت "حفلة الأكل". سكن صوت تكسير العظام، وتصلب جسد الكائن الضخم. يبدو أنه شم رائحة غريبة وسط عفن المكان.. رائحة "لحم حي".
في جزء من الثانية، التفتت تلك الكتلة المترهلة لمواجهة المتسللين. في تلك اللحظة، تجمد الزمن. كانت ملامحه مشوهة بشكل يخلع القلب؛ عيناه جمرتان من نار حمراء تلمعان في الظلام بلا جفون، وفمه واسع بشكل غير آدمي، مليء بأسنان صفراء محطمة.
لثوانٍ معدودة، ساد سكون مرعب، حيث كانت عيناه الحمراوان تتفحصان عمر ومازن وسيد بجمود مخيف، وكأنه يختار أيهم سيكون طبق التحلية. ثم، انفجر السكون؛ فتح الكائن فمه ليطلق "فحيحاً" عالياً، واندفع نحوهم بسرعة جنونية، يتبعه طوفان من الخنافس التي غطت الأرض.
الهروب الكبير: غريزة البقاء
في تلك اللحظة، توقفت العقول عن التفكير، واستلمت "غريزة البقاء" القيادة. استدار الثلاثة وانطلقوا كالصواريخ نحو نقطة الضوء البعيدة في نهاية النفق. لم يكن هناك وقت للكلام أو الخطط؛ كان جرياً هستيرياً من أجل الحياة.
كانوا يشعرون بوقع أقدام الكائن الثقيلة خلفهم، وبزحف الخنافس الذي يكاد يلامس كعوب أقدامهم. النفق بدا لهم وكأنه يطول، كأنه كابوس لا ينتهي. وبدفعة أدرينالين أخيرة، اندفعوا خارج النفق ليرتموا على الأسفلت البارد تحت أضواء الشوارع الصفراء.
انفجر مازن في ضحك هستيري ممزوج بالبكاء، بينما استلقى سيد على ظهره يراقب النجوم غير مصدق أنه لا يزال في عالم الأحياء.
النهاية الصادمة: الرسالة الأخيرة
ظن الجميع أن الكابوس قد انتهى، لكن عمر، الذي نهض بصعوبة ليتفقد أصدقاءه، تجمد مكانه مرة أخرى. تحت ضوء المصباح، وعلى كتف سيد تحديداً، كان هناك "دليل" باقٍ.
خنافس ذهبية صغيرة، قشرتها تلمع ببريق خبيث، كانت لا تزال ممسكة بمخالبها في نسيج ملابس سيد. وكأنها جاسوس خرج معهم من ذلك العالم المظلم. مد عمر يده بحذر شديد وأمسك الخنفسة؛ وفي اللحظة التي رفعها أمام عينيه، فردت الخنفسة أجنحتها وأصدرت طنيناً مزعجاً ثم طارت في الهواء.
كانت تلك الخنفسة "رسالة وداع" مرعبة، تؤكد لهم أن ما حدث لم يكن حلماً، وأن ذلك النفق لا يزال هناك، يحرس أسراره وينتظر عودتهم.. أو عودة ضحايا جدد.
خاتمة: هل تجرؤ على المرور بجانب نفق مهجور بعد غياب الشمس؟ ربما عليك التفكير مرتين، فما يختبئ في الظلام قد يكون حقيقياً أكثر مما تتخيل.